تجارة التجزئة للسلع الفاخرة تشهد عصرًا جديدًا

لا يزال سوق تجارة التجزئة للسلع الفاخرة يمثل قطاعًا مربحًا للاستثمار، على الرغم من أنه واجه بعض التحديات في السنوات الأخيرة، بداية من احتجاجات حركة السترات الصفراء في باريس وانخفاض أسعار الأسهم وحتى المخاوف بشأن المسائل المتعلقة بالتجارة العالمية مثل رسوم الاستيراد الضخمة المفروضة على الحكومة الصينية، لكن هذا القطاع حقق نموا كبيرا، ومازالت التوقعات تشير إلى أنه سيواصل ذلك النمو.

قد يكون القطاع في أمان مع اكتسابه قاعدة عريضة من العملاء في ظل ارتفاع في ظل التقارير التي وردت في عام 2018 وأشارت إلى زيادة ثروات اصحاب الثراء بعد ان حققن هذه الثروات نموا على اساس سنوي لمدة 6 سنوات متتالية وزيادة اصحاب الملايين [1]. ومع ذلك، يجب أن تتوقع الشركات مواجهة بيئة تنافسية بشكل متزايد، وزيادة الطلب على مواكبة الاتجاهات والأذواق المتغيرة في هذا القطاع، مدفوعًا بزيادة الطلب من قاعدة المستهلكين الأصغر سناً، المتمثل في جيل الألفية وجيل أكس (جيل منتصف الستينات وأوائل الثمانينيات). تشير بيانات السوق إلى أن الفئة العمرية من 18 إلى 35 عامًا في الصين وأوروبا والولايات المتحدة ساهمت بشكل كبير في تحقيق نسبة نمو مذهلة بلغت 85٪ في سوق المنتجات الفاخرة عام 2017، ومن المتوقع أن تمثل 45٪ من إجمالي المبيعات بحلول عام 2025[2].

توقعات نمو كبير في الأسواق الناشئة، وخاصة في الصين

في الولايات المتحدة، الذي تعد السوق الرائدة للسلع الفاخرة على مستوى العالم، بلغ إجمالي مبيعات المنتجات الفاخرة 192 مليار دولار في عام 2018 ومن المتوقع أن يرتفع إلى 197 مليار دولار بحلول عام [3]2020. على الرغم من انخفاض المشتريات من السياح نظرا لارتفاع الدولار ، فإن زيادة إنفاق المشتريين المحليين تواصل دعمها للنمو في القطاع. تراجع نمو مبيعات المنتجات الفاخرة في أوروبا عن الأسواق الأخرى حيث أدى الأداء القوي للعملة إلى الحد من القوة الشرائية للسائحين. ومع ذلك، شكلت المشتريات المحلية الداعم الرئيسي للقطاع، مما دفع مبيعات التجزئة إلى الارتفاع بنسبة 3٪ لتصل إلى 84 مليار يورو، مع احتفاظ فرنسا بأعلى حصة من مبيعات سوق المنتجات الفاخرة بشكل عام[4].

ارتفعت حصة الصين من الإنفاق على السلع الفاخرة في عام 2018  إلى 33٪، مقابل 32٪ في العام السابق، بينما شهد الطلب في بر الصين الرئيسي نموًا متزايدًا بنسبة 20٪، أي ما مجموعه 23 مليار يورو[5]. يُقال إن الصينيين من جيل الألفية، الذين يشكلون القوة الدافعة الرئيسية لارتفاع نمو مبيعات السلع الفاخرة العالمية، يخصصون حوالي 20 في المائة من دخلهم التقديري لشراء السلع الفاخرة. من المتوقع أن تمثل الصين 46٪ من سوق تجارة التجزئة للسلع الفاخرة العالمية بحلول عام 2025[6]. وبعيدًا عن الصين، أظهر الأداء العام لسوق تجارة التجزئة للسلع الفاخرة الأهمية المتزايدة للأسواق الناشئة في آسيا، بالإضافة إلى الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية وأفريقيا لنمو القطاع.

وصفت دول مجموعة البريكس المتبقية، روسيا والبرازيل والهند، بأنها أسواق خاصة تقدم فرصًا واعدة للعلامات التجارية الفاخرة. في الهند، ارتفع عدد الأغنياء أصحاب الثروات الكبيرة بنسبة 55٪ بين عامي 2007 و 2015، واحتلت البلاد المرتبة الثالثة في العالم من حيث عدد أصحاب المليارات " "[7].

على الرغم من ذلك، لم يتم بعد تطوير سوق تجارة السلع الفاخرة بالكامل ، حيث لم يتم تأسيس العديد من العلامات التجارية محليًا. بالنسبة روسيا، وكما هو حال الأسواق في أماكن أخرى، تعد قاعدة المستهلكين الأصغر سنا هي القوة المحركة للمبيعات. ومع ذلك، فشلت العلامات التجارية الفاخرة في اختراق قاعدة السوق هذه بشكل كامل، وغالبًا ما كانت تعتمد على الرؤى الدولية وليس المحلية لدعم مبيعاتها وجهود التسويق. وبشكل عام، من المتوقع أن ينمو السوق بنسبة 3٪ سنويًا حتى عام 2023 [8]. أما في البرازيل ، فإن أداء هذا السوق انخفض بشكل ملحوظ، حيث عانى القطاع بشكل عام من تزايد الشكوك السياسية في السنوات الأخيرة، ورسوم الاستيراد المرتفعة، والظروف المالية الصعبة. ومع ذلك، فإن حجم السوق وزيادة الطبقة الوسطى مع زيادة الرغبة في اقتناء العلامات التجارية الدولية لا تزال تثير الاهتمام بالسوق. أجبرت المبيعات القادمة من الأسواق الناشئة العلامات التجارية الاهتمام بشكل متزايد في الاختلافات في أذواق المستهلكين مع الاعتراف بالتفضيلات الثقافية والحجم بين قاعدتهم الاستهلاكية المتنامية، مثل أذواق الازياء تتميز بتصميمها البسيط والمحتشم التي يفضلها العملاء المسلمين. بدأت شركات الازياء الحديثة التي تنتج أزياء ذات تصميم بسيط ومحتشم مثل ذا موديست( The Modist) و مودانيسا ( (Modanisa  في اتباع هذا الاتجاه الجديد.

السيارات الفاخرة تواصل السيطرة على سوق التجزئة الفاخرة

فيما يتعلق بالقطاعات التي تدعم النمو في سوق تجارة السلع الفاخرة ، بلغت مبيعات السلع الفاخرة الشخصية أعلى مستوى لها على الإطلاق حيث بلغت 260 مليار يورو، لتسجل ارتفعا بنسبة 6٪ في عام 2018[9]. وشكلت السوق المستعملة نصيب الأسد من هذه الزيادة، حيث بلغت المبيعات 22 مليار يورو مدفوعة أساسًا بالمبيعات عبر الانترنت في أوروبا[10]. لا تزال السيارات الفاخرة هي الفئة الأولى التي تبلغ قيمتها السوقية 495 مليار يورو[11]، مع ارتفاع الطلب على سيارات الدفع الرباعي على وجه التحديد، بالإضافة إلى السيارات ذات الإصدار المحدود والمصنوعة يدويا وكذلك السيارات الكلاسيكية. تحقق الأسواق الناشئة نموا إيجابيا في هذا القطاع ، حيث من المتوقع أن ينمو السوق الصيني بنسبة 3-5 ٪ حتى عام 2020، فضلا عن الشرق الأوسط  الذي يضم أكبر عدد من السيارات الفاخرة من حيث نصيب الفرد[12]. في قطاع مستحضرات التجميل أيضًا، كانت الأسواق الناشئة، بما في ذلك الصين وروسيا والإمارات العربية المتحدة قاطرة النمو للإنفاق الاستهلاكي. على الصعيد العالمي، شكلت مستحضرات التجميل الفاخرة 13.9 ٪ من إيرادات السلع الفاخرة العالمية في عام 2016.

تعديل الاستراتيجيات لتلائم التفضيلات المتغيرة للمستهلكين متطلب أساسي للنجاح

هناك شيء واحد مشترك بين جميع أسواق تجارة التجزئة للسلع الفاخرة هو زيادة عدد المبيعات عبر الإنترنت، حيث تمثل تلك المبيعات اليوم 10٪ من إجمالي مبيعات السيارات الفاخرة ، بقيمة سوقية إجمالية تبلغ 27 مليار يورو، بعد أن نمت بنسبة 22٪ في عام 2018 وحده[13]. تتصدر الولايات المتحدة هذا السوق بنسبة 44٪ إجمالي المبيعات، في حين سجلت آسيا نموا إيجابيا أعلى قليلا من النمو أوروبا[14]. كانت الاكسسوارات على رأس قائمة المنتجات التي حققت نموا، متقدمة على الملابس مباشرة، حيث جاءت منتجات التجميل والزينة و"السلع الفاخرة المعمرة " ( مثل المجوهرات والساعات) في مرتبة واحدة. يجب على العلامات التجارية تغيير استراتيجيات المبيعات والتسويق التقليدية استجابة للتوقعات في ظل تزايد رغبة المستهلك في استخدام الوسائل الرقمية. يجب أن يكون قطاع تجارة السلع الفاخر في طليعة القطاعات التي تقدم الخدمات الرقمية المبتكرة للتعامل مع العملاء في ظل انخفاض قدرة وعدد المتاجر التقليدية في مواجهة ارتفاع المبيعات عبر الإنترنت. لن يتمكن من البقاء في السوق إلا أولئك الذين يقومون باستخدام الوسائل والأدوات الوقائية التي توفر للمستهلكين والعملاء تجربة شاملة محسنة وأكثر جاذبية . تشمل الاتجاهات الحالية  لهذه التقنيات استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي و الواقع الافتراضي، مما يتيح للعملاء "التجربة" قبل الشراء، فضلا استراتيجيات التسويق الشامل القادرة على تقديم تجارب مستمرة للمستهلك عبر نقاط اتصال متعددة. سينعكس هذا التحول أيضًا في الإعلانات، حيث تعمل بعض العلامات التجارية مثل كلافين كلاين ((Calvin Klein على سحب استراتيجيات التسويق المطبوعة الخاصة بها بالكامل لصالح منافذ الدعاية عبر الإنترنت.

لا يتعلق تأثير جيل الألفية على قطاع تجارة السلع الفاخرة فقط بتجربة البيع عبر الإنترنت. لدى المستهلك من جيل الألفية قيم جديدة مقارنة بالأجيال السابقة، مع اهتمام أكبر بالبيئة والاستدامة فيما بينهم. ستحتاج العلامات التجارية الفاخرة إلى الاستجابة من خلال النظر في إجمالي منتجاتها وسلاسل التوريد والتسويق لتضمن انها تعكس اهتمام عملائها وإظهار ممارسة واضحة تجاه المسؤولية الاجتماعية للشركات (CSR). هناك أيضًا قلق متزايد بشأن قضايا مثل الخصوصية والأمان، حيث يسعى الأثرياء إلى عدم الكشف عن هويتهم، فضلاً عن الطلب المتزايد على البحث عن تجارب جديدة كجزء من سوق تجارة السلع الفاخرة.

تواجه العلامات التجارية الفاخرة أيضًا، بالإضافة إلى المعوقات التي تواجهها بسبب التجارة الإلكترونية، بعض التحديات الأساسية، خاصة في الأسواق المتقدمة. إن تحويل أذواق المستهلكين نحو "التجربة، وليس الامتلاك"، قد يؤدي إلى تراجع الطلب على السلع الفاخرة. تعمل الاتجاهات الجديدة مثل تأجير السلع الفاخرة ، الأسواق الثانوية المتنامية، وحتى الاتجاه الجديد نحو اتباع أسلوب الملكية المشتركة، والمعروف أيضًا باسم " السلع الشخصية إلى اصول" على تقليل الطلب على سلع جديدة.

إن العلامات التجارية القادرة على التطور مع تغير اتجاه اختيار المستهلك والأذواق والقيم، لديها فرصة كبيرة لزيادة حصتها في السوق. تحتاج العلامة الفائزة، وخاصة في الأسواق الجديدة إلى خبرة كبيرة نظرا لظهور أنماط الأداء المتباينة بشكل متزايد بين أبرز العلامات التجارية الفاخرة. ستحتاج العلامات التجارية الفاخرة إلى الاستمرار في التطور مع اتجاهات السوق بداية من اتباع الحلول الرقمية إلى ممارسات التسويق الذي يفضله العملاء من جيل الألفي والجيل أكس، بالإضافة إلى مراعاة الأذواق والتفضيلات الثقافية المتنوعة بشكل متزايد، لكي تظل متطورة وتواكب المتغيرات التي تطرأ في الاسواق من حين لأخر. توفر الفرص المتاحة في الأسواق الناشئة بشكل خاص، بما في ذلك الصين والهند ودول مجلس التعاون الخليجي ، فرصًا واعدة لأولئك القادرين على إثبات وجودهم في السوق.

 

 

 
تعليقات (0)

تعليقات

إضافة تعليق جديد

المؤلف
Ziad Awad
CEO at Awad Capital
التصنيفات
تجارة التجزئة

RSS Feed